تسجيل الدخول


قسم القصص والروايات نأخذكم في رحلة إلى عوالم الأدب والثقافة ... حيث القصة، الرواية والكتاب ... نقرأ، نناقش وننتقد ... لنستمتع ونستفيد ...

من روائع الأدب العالمي

 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع

 شموخ رجل  

الصورة الرمزية شموخ رجل
  • اللقب

    من كبار الاعضاء

  • التسجيل

    16 - 10 - 2009

  • العضوية

    24079

  • المشاركات

    15,869

  • المعدل

    4.41 يوميا

  • نقاط التقييم

    1303

  • معدل التقيم

    38

من روائع الأدب العالمي

2010-12-07, 04:11 AM



اخوتي الاعزاء في منارتنا الحبيبة
الموضوع باين من العنوان
سأقوم بوضع كل يوم لكم قصة من قصص الادب العالمي علنا نستفاد منها ونتمتع بقرائتها وان أراد احد بتزويدنا بقصة فلا بئس بذلك
لكم محبتي

موت بائع متجول
للكاتبة الامريكية: يودورا


ر_ج. بومان، الذي تنقل لمدة أربع عشرة سنة لحساب شركة الأحذية عبر ولاية المسيسبي. قاد سيارته الفورد على طول طريق متسخة وعرة. كان يوماً طويلاً والوقت لم يتجاوز الظهيرة بعد، والشمس قد احتفظت بقوتها هنا حتى في فصل الشتاء ماكثة في كبد السماء، وفي كل مرة يطل بومان برأسه من نافذة السيارة المغبرة ليتفرس الطريق، تمتد يده الطويلة، بين الحين والآخر، تضغط على رأسه وقبعته فتجعله يحس بغضب وعجز، لقد كان محموماً وأيقن بأنه يسلك الطريق غير الصحيح، فهذا يومه الأول الذي خرج فيه بعد حصار أنفلونزي مرير، وغدا ضعيفاً شاحباً لدرجة تكفي ليصبح مهووساً بالمرآة، ولم يعد قادراً على التفكير بذهن صافٍ طيلة ساعات الظهيرة، ففي ثورة غضبه، وبدون أدنى سبب كان قد خطر على ذهنه جدته المتوفاة، التي كانت تتمتع بروح وديعة، وتمنى أكثر من مرة في صغره لو أنه سقط على ذلك السرير الريشي الواسع الموجود في غرفتها، لكنها غابت عن ذهنه كلياً... "يا لهذه البلدة المرتفعة المقفرة"!
تخيل نفسه أنه قد سلك الطريق الخاطئة وبأنه عائد من حيث أتى، وعبثاً حاول إيجاد بيت على مدى بصره ولكن، الآن، حتى رغبة عودته إلى سرير مرضه قد تلاشت، فقد أكد الطبيب شفاءه التام من مرضه بعد دفعه للفاتورة. لم يكن بومان متحسراً على الممرضة الجميلة التي غادرته مودعة، ولم يشعر بنفسه إلا وهو يهديها سواراً ذهبياً ثميناً.
كره أيام مرضه، وارتاب منه كما يرتاب الآن من الطريق الخالي من اللافتات التي أثارت غضبه، ماذا لو خلت السنوات الأربع عشرة من مرض أو حادث سيارة! فإنه يكون بذلك قد حطم رقماً قياسياً. بدأ يتساءل حول هذا الأمر.. وبالتدريج كان يزور فنادق جيدة في المدن الكبيرة ولم يكن هذا كل شيء، لأن هذه المدن كانت شديدة القيظ في الصيف وباردة في الشتاء.
نساء..تذكر الغرف الصغيرة داخل غرف أخرى كعش من صناديق ورقية صينية، وكلما فكر بامرأة خطر إلى ذهنه مفروشات تلك الغرف الموحشة، ففي الفندق يقف أمام المرآة مرتدياً قبعة سوداء ذات إطار عريض فيبدو كمصارع ثيران، وتراه صاعداً هابطاً على درج الفندق.
وما أن أخرج رأسه من نافذة السيارة حتى أحس بوهج الشمس المحرقة، أراد بومان أن يصل إلى (بيلا) ليلاً لينطرح في السرير ويريح نفسه المرهقة، ولكنه تذكر أن (بيلا) كانت على بعد خمسين ميلاً عندما رآها في البلدة السابقة ذات الطريق المفروش بالحصى.
ـ هذه سكة للأبقار.. كيف وصل إلى مكان كهذا، تساءل ماسحاً وجهه بيده ثم أعادها إلى مقود السيارة، لقد أتى إلى (بيلا) من قبل، ولم ير مثل هذه الهضبة وهذا الطريق وتلك السماء المتلبدة.
ـ يا له من أمر مخجل، نظر حوله بسرعة، لماذا لا يقر ويعترف بأنه أضل الطريق وابتعد عن مبتغاه. لم يكن من عادته أن يسأل الغرباء عن الطريق، وعلاوة على ذلك فإن هؤلاء القرويين لا معرفة لهم إلاّ بحقولهم، وليس هناك ثمة إنسان قريب منه ليسأله، فمعظمهم كانوا بعيدين عنه، ربما كانوا يبذرون الحبوب في الحقول أو على قمة البيادر، فجأة، استدار على صرير عجلات السيارة التي تقتطع وراءه أوحال الطريق بأشكال مستديرة كالكوسا الأصفر، بينما تبعته أنظار القرويين من بعيد كجدار صلب متسائلين عن هذا الغريب الواطئ أرضهم.
تجمعت الغيوم في جانب واحد في السماء، وكأنها مخدة طويلة كالتي على سرير جدته، ثم انتقلت إلى طرف الهضبة فوق شجرتي سرو سامقتين، بينما كانت عجلات السيارة تضغط على أوراق الأشجار الشاحبة المتناثرة على طول الطريق، فينبعث صوت أنين كئيب يصل إلى أذنيه.
كان يقود السّيارة بدون وعي، وفجأة وجد نفسه على حافة منحدر متآكل، فاتضح أنه في نهاية الطريق، ضغط بكل ما أوتي من قوّة على مكابح السيارة، إلا أنها اهتزت وتدحرجت باتجاه الهاوية، وبدون شك فإنها ستسقط في الوادي. خرج منها بهدوء رغم الاضطراب الذي انتابه. رفع حقيبة الأحذية ثم وضعها على الأرض وشرع يراقب السيارة وهي ترتمي في الهاوية، لم يسمع حطاماً، بل خشخشة منبعثة من الأسفل، انحنى ونظر إلى الوادي فوجد سيارته قد حطّت على عريشة ضخمة وارتاحت كأنها طفل في مهده، فشعر بالارتياح لأنه لم يكن بداخلها، ثم مالت بلطف نحو الأرض، تنفس الصعداء، ثم تساءل مندهشاً:
"أين أنا؟ ولماذا لم أقم بفعل شيء ما؟"
بدأت ثورة غضبه واهتياجه تنساق بعيداً عنه، فقد رأى بيتاً وراءه على التلة. حمل حقائبه وبرغبة كرغبة الأطفال ذهب متجهاً إلى البيت، كان يلتقط أنفاسه بصعوبة، فتوقف وارتاح قليلاً، بدا الكوخ بغرفتيه وكأنه صنع للصيادين الذين يأوون إليه طلباً للراحة، جثم بومان على التلة، ورأى أن الكوخ يميل للأسفل تحت العريشة الثقيلة التي فرشت سطحه بأغصانها الخضراء الهاربة من فصل الصيف، شاهد امرأة تقف في الممر، فتسمر في أرضه وأحس بأن في قلبه سهماً نارياً، فلم يعد يقوى على التفكير، وغدت ضربات قلبه المنتفضة عشوائية قوية، خفقان بدون ضجة، ريثما سقط كالغَمْرُ أوقعته الشباك.
استقام ولملم ما تبقى بداخله من قوة قاصداً المرأة وقال :
ـ نهار سعيد يا سيدتي.
لم يسمع دقات قلبه الآن، فقد سكن كرماد يتساقط، وانبعثت في نفسه الطمأنينة، إنه لشيء رهيب لبومان أن يكتشف ضعف قلبه، ومع سكون اضطرابه ألقى بحقائبه التي تكومت ببطء ووداعة على العشب الأشيب قرب باب الدرج. أحس بومان أن المرأة الواقفة مسنة وليس بوسعها أن تسمع خفقات قلبه التي تجاهلها هو بدوره أيضاً.
نظر إلى المرأة حذراً مشدوهاً. كانت تنظف قنديلاً متسخاً، وكأنها انتهت من النصف المقابل لها وما زال النصف الآخر أسود. وقفت في الممر المظلم بجسمها الضخم المكتنـز، وأثار الطقس بادية على وجهها الخالي من التغضن، شفتاها مطبقتان وعيناها البراقتان تنظران إليه ببلادة وفضول، رنا إلى حذائها الشبيه بأحزمة مترابطة، وتساءل .. لو أن الطقس صيف لرأيتها حافية القدمين.
لقد اعتاد بومان أن يقدر عمر المرأة من نظرة واحدة، فقدر عمر تلك المرأة بخمسين سنة. كانت ترتدي ثوباً بسيطاً ذا قماش خشن رمادي، جفف من الماء بطريقة سيئة، تظهر منه ذراعاها الورديتان المستديرتان، وقد حافظت على صمتها وتنظيفها للقنديل. أردف بومان ثانية:
ـ نهار سعيد يا سيدتي..

والى اللقاء مع تتمة القصة




تابع ايضا مواضيع ذات صله::

 روووح الحب  

الصورة الرمزية روووح الحب
  • اللقب

    VIP

  • التسجيل

    26 - 9 - 2008

  • العضوية

    5216

  • المشاركات

    3,260

  • المعدل

    0.82 يوميا

  • نقاط التقييم

    242

  • معدل التقيم

    16

رد: من روائع الأدب العالمي

2010-12-07, 04:47 AM

مرحبا
حبيبي ماهر بادرة ممتازة منك
وموضوع رائع أدعو الجميع للمشاركة هنا
ويثبت الموضوع للأستفادة
تحياتي للجميع
كونوا سعداء


 شموخ رجل  

الصورة الرمزية شموخ رجل
  • اللقب

    من كبار الاعضاء

  • التسجيل

    16 - 10 - 2009

  • العضوية

    24079

  • المشاركات

    15,869

  • المعدل

    4.41 يوميا

  • نقاط التقييم

    1303

  • معدل التقيم

    38

رد: من روائع الأدب العالمي

2010-12-07, 05:08 AM

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة روووح الحب مشاهدة المشاركة
مرحبا
حبيبي ماهر بادرة ممتازة منك
وموضوع رائع أدعو الجميع للمشاركة هنا
ويثبت الموضوع للأستفادة
تحياتي للجميع
كونوا سعداء
أشكرك على المرورالرائع صديقي الغالي روووح الحب
وشكرا على التثبيت يا غالي
الحقيقة هو موضوع مفيد للجميع
تحيتي لك


 ترانيم العشق  

الصورة الرمزية ترانيم العشق
  • اللقب

    VIP

  • التسجيل

    2 - 2 - 2008

  • العضوية

    249

  • المشاركات

    27,442

  • المعدل

    6.50 يوميا

  • نقاط التقييم

    756

  • معدل التقيم

    46

رد: من روائع الأدب العالمي

2010-12-07, 05:02 AM

فكرة حلوة
اكيد راح شارك اذا بتسمحلي
يعطيك الف عافية


 شموخ رجل  

الصورة الرمزية شموخ رجل
  • اللقب

    من كبار الاعضاء

  • التسجيل

    16 - 10 - 2009

  • العضوية

    24079

  • المشاركات

    15,869

  • المعدل

    4.41 يوميا

  • نقاط التقييم

    1303

  • معدل التقيم

    38

رد: من روائع الأدب العالمي

2010-12-07, 05:09 AM

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سارة مشاهدة المشاركة
فكرة حلوة
اكيد راح شارك اذا بتسمحلي
يعطيك الف عافية
شكرا على مرورك الرائع سارة
اكيد فيكِ تشاركي انتِ والبقية
تحيتي لكِ


 ترانيم العشق  

الصورة الرمزية ترانيم العشق
  • اللقب

    VIP

  • التسجيل

    2 - 2 - 2008

  • العضوية

    249

  • المشاركات

    27,442

  • المعدل

    6.50 يوميا

  • نقاط التقييم

    756

  • معدل التقيم

    46

رد: من روائع الأدب العالمي

2010-12-07, 06:05 AM

تحميل رواية ترويض الشرسه وليم شكسبيرمترجمه للعربيه







اميرة على غير عادة النساء متمردة

ترفض الخضوع لاى رجل

متعجرفة

غامر احد الامراء بمحاولة ترويضها

و حاول

هل سينجح ؟؟؟؟


ترويض الشرسة ( النمرة)

يعتقد بعض النقاد ان هناك وثيقة بين هذه المسرحية ,

ومسرحية اخرى مفقودة كتبت عام 1594م تحت عنوان

( قصة خيالية ممتعة اسمها ترويض الشرسة)

غير ان بعض النقاد الاخرين يعتقدون

ان قصة المرأة الشرسة شائعة في الاداب الشعبية.




تحميل رواية ترويض الشرسه وليام شكسبير بصيغة pdf


ارجو ان تستمتعوا بقراءتها


 ترانيم العشق  

الصورة الرمزية ترانيم العشق
  • اللقب

    VIP

  • التسجيل

    2 - 2 - 2008

  • العضوية

    249

  • المشاركات

    27,442

  • المعدل

    6.50 يوميا

  • نقاط التقييم

    756

  • معدل التقيم

    46

رد: من روائع الأدب العالمي

2010-12-07, 06:16 AM

روايات وليم شكسبير

للتحميل


 شموخ رجل  

الصورة الرمزية شموخ رجل
  • اللقب

    من كبار الاعضاء

  • التسجيل

    16 - 10 - 2009

  • العضوية

    24079

  • المشاركات

    15,869

  • المعدل

    4.41 يوميا

  • نقاط التقييم

    1303

  • معدل التقيم

    38

رد: من روائع الأدب العالمي

2010-12-07, 07:04 AM

..قصة موت بائع متجول للكاتبة الامريكية: يودورا

كانت تحدق، لكن لم يعلم بومان بأنها تحدق فيه أم في شيء آخر، ثم أخفضت عينيها لتصغي إلى ما سيقول.
ـ أتساءل فيما إذا كان بوسعك أن تساعديني! قال بومان.. هناك حادث.. سيارتي.. فردت بصوت منخفض كأنه آتٍ من بحيرة نائية.
ـ صوني.. هل أنت هنا؟..هل أنت هنا الآن..
فكر بومان، هل صوني هذا قادر على إخراج سيارتي. أشار بومان إلى أسفل التلة:
- سيارتي في تلك الحفرة وأنا بحاجة إلى مساعدة. ردت المرأة ثانية:
- صوني.. أأنت هنا؟.. إنه ليس هنا !.. توضح لبومان أن صوتها قوي وتبدو كأنها بلهاء. غدا الأمر لا يحتمل، فقدان الطريق وانتظار هنا، إنه لأمر ممل، تنفس قليلاً وسمع صوته يعلو فوق نبضات قلبه: لقد كنت مريضاً.. لست قوياً بعد، فهل بإمكاني الدخول؟ انحنى بومان ووضع قبعته السوداء على قبضة حقيبته وأحس بتيار يصعقه، رنا إلى المرأة، والرياح تعبث بخصلات شعره، كان بوسعه أن يستمر فترة طويلة على الوضع غير المألوف إلا أنه لم يكن رجلاً صبوراً، فعندما كان مريضاً اعتاد أن يستكين لتلك الوسائد خانعاً منتظراً دواءه وهو الآن بانتظار جواب المرأة.
نظرت المرأة إليه بعينين زرقاوين واستدارت وأبقت الباب مفتوحاً، انتصب بومان مقتنعاً بصحة تصرفاته ولحق بها إلى الداخل، وما أن دخل الغرفة حتى لامسه ظلامها كيد ناعمة وادعة. وضعت القنديل نصف المنظف على الطاولة؛ وأشارت بيدها ترشده إلى كرسي ذي مقعد أصفر صنع من جلد بقري، ثم ركنت قرب الموقد ساحبة ركبتيها تحت ردائها البسيط. أحس بالطمأنينة بادىء الأمر، ريثما بدت الغرفة كئيبة بجدرانها المؤلفة من ألواح الصنوبر الصفراء، وكان بإمكانه رؤية الغرفة المجاورة مع سرير ذي قوائم حديدية عبر الممر وعليه ملاءة مزركشة بألوان زاهية؛ تبدو كخريطة أو صورة ملونة كالتي رسمتها جدته في صباها عن احتراق روما.
كانت الرطوبة قوية في الغرفة فأحس بالبرودة. ركز عينيه على الموقد وعلى الأوعية المتوزِِِِعة في الزاوية؛ لقد رأى المدخنة الحجرية بدخانها الذي يلتف حول الهضبة وتساءل.. ليس ثمة نار في الموقد.! عندها، خيم السكون وانتشر صمت الحقول في المنطقة وتسربت الرياح إلى القاعة وأحس أنه في خطر غامض موحش، عليه أن يفعل شيئاً ما! أن يتكلم، قال :
ـ معي عدد من الأحذية النسائية الجميلة ذات أسعار منخفضة. لكن المرأة أجابت :
ـ صوني سيحضر، فهو قوي وشجاع، سيخرج سيارتك.
ـ أين هوالآن ؟
ـ إنه يعمل في مزرعة السيد ريدموند
ـ السيد ريدموند ! أحس ببهجة لهنيهة ريثما اكتشف أنه لا يعرف صاحب الاسم، شعر بالقلق وتمنى أن يبتعد عن أسماء هؤلاء الرجال المجهولين ومزارعهم.
ـ هل تسكنا معاً لوحدكما؟
اندهش لسماع صوته المعتاد المليء بالثقة والمؤثر وكأنه خصص لبيع الأحذية، فسؤال كهذا لا يهمه معرفة جوابه.
ـ نعم نحن وحيدين.. استغرب طريقة إجابتها التي استغرقت فترة طويلة وأومأت برأسها أيضاً، هل أرادت من وراء ذلك أن تخبره بأن ثمة شيئاً على وشك الحدوث، تساءل في سره باضطراب: ربما لا تريد تقديم يد العون له، أو ربما يتوجب عليه أن يتكلم إليها أكثر؛ فلقد عاش ما يقارب الشهر ولم يتحدث إلى أحد، بل واجه هلوسات في رأسه وحمى في جسمه، يا لهذه الدنيا، تركته ضعيفاً تحت رحمة الآخرين.
تعالت نبضات قلبه، حتى غدا فؤاده ينتفض كالسمكة في الشباك، تساءل طويلاً: لماذا لم تنتهِ المرأة من تنظيف القنديل المتسخ حتى الآن؟ وماذا دهاها لتبقى صامتة في الغرفة المقابلة؟ لقد ارتسمت على وجهها علامات الشجاعة والثقة، ربما لم تتكلم معه لسبب يرجع إلى خجلها من الغرباء، واستمر يراقب يديها الملتفتين على بعضهما كالملقط، وفجأة قالت:
ـ هذا صوني، إنه آت. لم يسمع بومان وقع أقدام، بل رأى رجلاً يعبر أمام النافذة ويدخل البيت مع كلبين للصيد، كان طويلاً وممتلئاً، وعلى خصره حزام تدلى على وركه، بدا في الثلاثين من عمره واكتسى وجهه حمرة وصمتاً، بنطاله موحل، وسترته عسكرية مموهة، تساءل بومان بدهشة: سترة من الحرب العالمية.. يا إلهي.. يا لها من سترة تشبه البدلات الاتحادية، أحس بومان بأنه يستخف به عندما لاحظ أنه ما زال يضع قبعته السوداء القذرة على رأسه، دفع بكلبيه بعيداً عن صدره، كان قوي البنية، وتنم حركاته عن وقار ورزانة، بدا كأنه نسخة لوالدته، وقفا بجانب بعضهما بعضاً، وأحس بومان بضرورة الإعلان عن وجوده أمام الرجل.
ـ صوني.. هذا الرجل سقطت سيارته في الحفرة، ويريد أن يعرف إذا كان بوسعك مساعدته.
قالت المرأة ذلك بعد لحظات.
لم يكن بإمكان بومان حتى التحدث في قضيته، استقرت أنظار صوني كلها عليه، فظن بومان أنه من الواجب التوسع في شرح مشكلته وتقديم شيء من النقود ليبدو أكثر وجاهة وهيبة، مر صوني بجانبه تتبعه قفزات كلبيه وتطلع إلى الخارج، كان يبذل جهداً حتى في الطريقة التي ينظر بها، وكأن باستطاعته أن يرمي بنظره بعيداً كحبل، أحس بومان أن عينيه لم تعد بإمكانهما أن تريا شيئاً، فالمسافة بعيدة جداً.
قال صوني:
ـ علي إحضار بغل وحبل.. وقريباً سأخرج سيارتك.
نظر في أرجاء الغرفة كأنه يتأملها، وتاه بصره داخلها، ثم أطبق شفتيه بثبات، ومشى والكلبان أمامه بخطوات واسعة وثابتة، عندما سمع بومان وقع خطوات الرجل قفز قلبه، وأحس به يعدو بداخله. قالت المرأة: "صوني سيخرجها "رددت العبارة بلحن موسيقي، وهي تجلس قرب الموقد. سمع بومان مطاردة بعض الحيوانات على الهضبة، بعد لحظات خرج صوني ومعه بغل بني ذو أذنين مخمليتين، نظر البغل داخل النافذة فأشاح بومان برأسه وشاهد المرأة تبادل البغل نظراته، وقد ارتسم الارتياح على وجهها، تكلمت بنغم عذب فظن أن صوتها جميل، لكنها لم تكن توجه الكلام إليه، إلا أنه شعر بفضول غريب ينبعث بداخله للكلام.
الآن، عندما خفق قلبه، خفقت معه روحه كمهر يتلاشى، حدّج في المرأة قليلاً، وبدأت أحاسيسه المختلطة تهز كيانه. لم يستطع الحراك، رآها تشبك يداً بأخرى، أراد أن يقول لها شيئاً لكنه أحس بالعجز. حاول أن يخبرها بمرضه، وكم كان يشعر بالوحدة، وأن قلبه يبذل مجهوداً فوق طاقته، وأنه أضحى يرفض هذا الفراغ، وبرغم كل هذا فإن قلبه المريض يصبو وينتظر الربيع الآتي، تعالي وامكثي في قلبي لتري أنه سيغمرك حباً كشلال دافق يجرك لأعماقه.
مسح وجهه بيده المرتجفة ورنا إلى المرأة الجاثية بصمت داخل الغرفة والتي تبدو كتمثال، وعندما أقبل الأصيل، كانت أشعة الشمس تلامس الوعاء الموضوع على الموقد، فكر بومان: غداً وفي مثل هذا الوقت سيكون قائداً لسيارته على طريق حصوي آخر، وأحس بالغبطة حين فكر بذلك، كما أنه أيقن بأن لا وقت لديه لإضاعته مع امرأة عجوز كهذه، وهنا وعلى حين بغتة، ولدت في داخله قوة جديدة أخذته بعيداً عن المكان.
ـ أظن أن صوني قد أخرج سيارتك الآن - قالت المرأة - وهو لا محالة سيخرجها من الوادي..
ـ حسناً، صاح بومان بلهجة حماسية، بدأ الظلام يزحف إلى الوادي، كان بومان منكمشاً في كرسيه، ففكر بأن ينهض ويذرع الغرفة بخطواته منتظراً الرجل، هناك شيء غامض في هذا السكون، أصاخ سمعه، وهدأت أنفاسه وأصبحت عيناه عاجزتان عن رؤية ما في الخارج بسبب الظلام المتزايد، أرهف السمع إلى أصوات ناعمة متتابعة ذات لحن جميل منبعثة من الخارج، لم يستطع تفسيرها " ما هذه الضجة" سأل بومان مخترقاً صوته الظلام، وخشي أن لا تكون الضجة إلا خفقات قلبه الصاخبة.
ـ ربما تسمع صوت الماء في الجدول.. قالت المرأة بازدراء وهي تقف بجانب الطاولة فأتى صوتها قريباً، تساءل بومان كما فعل من قبل، لماذا لم تشعل المرأة القنديل في الظلمة حتى الآن! قرر ألا يتكلم إليها مرة أخرى، وراوده تصور بألاّ يخطر في باله أنه سينام في تلك الغرفة ذات الظلمة البلهاء، اتجهت إلى النافذة ومدت يدها مشيرة على امتداد العتمة.. "تلك البقعة البيضاء هناك هي صوني". أدار وجهه إليها ثم أخذ يسترق النظر من فوق كتفيها متردداً في الوقوف إلى جانبها، بحثت عينيه في الهواء المثخن بالسواد، فوجد تلك البقعة التي أشارت إليها كورقة في نهر وكأنها قد أرته شيئاً سرياً للغاية، أشاح بوجهه بعيداً يحاول مقاومة دموع لم يحن لها أن تذرف بعد، إلا أنها التزمت بصمت كصمته، وعندما دخل صوني اهتز البيت مع خطواته فانحنت المرأة إلى جانبه. " لقد أخرجت سيارتك يا سيد " قال صوني من دون أن يراه. " وهي الآن تنتظر على الطريق هناك "..! "حسناً " قال بومان بلهجة لا تخلو من حزم وتابع :
ـ أنا ممتن جداً لصنيعك، ولا أظن أن بوسعي إخراج السيارة كما فعلت أنت.



وللقصة بقية..


 رحيق الزهور  

الصورة الرمزية رحيق الزهور
  • اللقب

    من كبار الاعضاء

  • التسجيل

    21 - 2 - 2008

  • العضوية

    336

  • المشاركات

    24,522

  • المعدل

    5.84 يوميا

  • نقاط التقييم

    162

  • معدل التقيم

    30

رد: من روائع الأدب العالمي

2010-12-07, 10:54 AM




قناع الموت الأحمر
قصة مترجمة للكاتب إدجار آلن بو
(Edgar Allan Poe)



منذ زمن بعيد وطاعون "الموت الأحمر" يهلك الحرث والنسل في هذه البلاد ، إذ ما من وباء كان ليضاهي فداحته و بشاعته أبدا، فقد كان يتجسد بالدماء أما علامته فقد كانت إحمرار الدم ورعبه، ويصاحب هجومه الشرس آلام شديدة ودوار مفاجئ يتبعه نزيف حاد، أما البقع القرمزية التي يخلفها على الجسم وخاصة تلك المنطبعة على وجه الضحية فقد كانت بمثابة الوباء اللعين الذي يحول دون وصول المساعدة إليه أو حتى من إشفاق أصحابه عليه، بيد أن هذه النوبة المرضية بأكملها من تطورها حتى انتهاءها لا تتعدى زهاء أحداث نصف ساعة من الزمن!

ورغم هذا الرعب الذي كان يزرعه الموت الأحمر في النفوس إلا أن أمير البلاد، بروسبيرو لم يكن مكترثا لذلك، إذ عندما فتك هذا المرض اللعين بنصف سكان أراضيه الخاصة دعا إلى حضرته أكثر من ألف صديق من بين فرسان قصره الأصحاء ونساءه الحسناوات، واختلى بنفسه بعيدًا مع هؤلاء المدعوين في إحدى أجمل كنائسه الحصينة وأوسعها حيث كان هذا الذوق الغريب والمهيب نِتاج إبداع الأمير نفسه، لقد كانت الكنيسة مسوّرة بجدار منيع وشامخ وتحرسها بوابات حديدية، وفور دخول رجال الحاشية إلى الكنيسة أحضروا الأفران الملتهبة والمطارق الضخمة وقاموا بلحام الأقفال سعيا إلى إحباط أدنى وسيلة للدخول إليها أو الخروج منها لأي سبب كان، كما تم توفير جميع المؤن الضرورية داخل الكنيسة، حيث سيتسنى لرجال الحاشية الآن تحدى العدوى بهذه التدابير الوقائية، أما العالم الخارجي فبإمكانه الاعتناء بنفسه، ذلك أن مجرد الحزن على أولئك القابعين في الخارج أو التفكير بحالهم لا يعدو كونه حماقة كبرى، والفضل في هذا يرجع إلى الأمير حيث قام بتوفير جميع سبل الراحة والترفيه من مرتجلين وراقصات البالية وعازفي الموسيقى والحسناوات والشراب، وجميع هذه المظاهر كانت بمأمن في الداخل أما في الخارج فقد كان يقبع "الموت الأحمر".

وعندما اقتربت عزلة الأمير في داخل كنيسته من شهرها الخامس أو السادس قام باستضافة أصدقاءه الألف لحضور حفلة رقص تنكرية لم يسبق لها مثيل. لقد كانت هذه الحفلة التنكرية مسرحا مثيرًا للحواس، لكن في البداية اسمحوا لي أن أخذكم في جولة داخل القاعات التي أُحيت فيها هذه الحفلة، لقد كنُّ سبع قاعات أو بالأحرى جناحًا إمبراطوريًا ضخمًا، إن أجنحة كهذه في العديد من القصور تشكل أفقًا طويلاً وممتدا تترامى على جدرانه الأبواب على كلا الجهتين من دون أن تتيح لأي شيء بإعاقة منظر النطاق. بيد أن الأمر في هذا القصر بالذات يختلف تمامًا عما هو معتاد وهو ما يمكن توقعه من حب الدوق للغرائب، فقد كانت هذه الغرف موزعة بطريقة غير متناسقة مطلقةً العنان للبصر بمعانقتها بشدة مرة بعد مرة لينتهي بها المطاف باستدارة حادة إلى اليمين وأخرى إلى اليسار بحيث تتوسط كل جدار نافذة طوقية طويلة وضيقة تطل على ممر مغلق يتتبع التفافات الجناح، لقد كانت هذه النوافذ مصنوعة من زجاج تتفاوت ألوانه طبقا للون الزخرفة السائد في الغرفة التي تفتح بداخلها هذه النافذة، فعلى سبيل المثال، كانت الغرفة في أقصى الشمال تتشح باللون الأزرق الزاهي وكذا كانت نوافذها زرقاء مشرقة، أما في الغرفة الثانية فقد كانت حليها وأقمشتها تزدان باللون الأرجواني ، لذلك كان اللون الأرجواني منعكسا على ألواح نوافذها الزجاجية، الغرفة الثالثة كانت خضراء نظرة وكذلك كانت نوافذها البابية، أما الغرفة الرابعة فقد كان أثاثها يشع بلون أزرق باهي ... الغرفة الخامسة بيضاء كشعاع الشمس والسادسة بلون أزهار البنفسج، أما الغرفة السابعة والأخيرة فقد غُطيت بعناية فائقة بأقمشة النجود المخملية الداكنة التي كانت تتدلى من أعلى سقف الغرفة لتعانق الحيطان ومن ثم تهوي بشكل لفافات ثقيلة على سجادة مصنوعة من اللون والمواد ذاتها، بيد أن لون النوافذ في هذه الغرفة-فقط- أخفق في الانسجام مع زخارفها، لقد كانت قرمزية كلون الدم الأحمر القاني، وبالرغم مما تتمتع به هذه الغرف السبع من أجواء احتفالية ووسط كل تلك الحلي والمجوهرات الذهبية المنتشرة هنا وهناك والمتدلية من أسقفها إلا أن أياً منها لم يكن بداخلها شمعدان أو مصباح مضيء، لقد كان المكان يفتقر لأدنى مصدر ضوئي، ولكن في ممرات الجناح وقبالة كل نافذة كان هناك مشعل يسلط أشعته المتوهجة عبر الألواح الزجاجية الملونة ليضيء الغرفة بوهجه الساطع، لقد شكلت هذه الأجواء المتداخلة العديد من المظاهر المبهرجة والرائعة، ولكن وهج النار في الغرفة الغربية أو الخلفية كان فضيعًا إلى أبعد الحدود، فقد كان ينسدل على الستائر الداكنة عبر الألواح المتشحة بلون الدم وهو أمر بعث في نفوس أولئك الذين دخلوها نظرة موحشةً جدًا، لذلك لم يكن بداخلها سوى عدد بسيط جدا ممن كانت لديهم الجسارة الكافية لأخذ موضع قدم داخل فناءها.

وقبالة الحائط الشرقي لهذه الغرفة أيضا تنتصب ساعة عملاقة مصنوعة من خشب الأبنوس، يتراقص بندولها جيئةً وذهابًا محدثًا ضجيجًا رتيبًا وثقيلاً ومملاً، وما أن يكمل عقرب دقائقها دورته الزمنية وتتأهب هي لتطلق نغماتها حتى يصدر من رئتيها النحاسيتين صوتٌ واضحٌ وقوي، عميقٌ وموسيقي، ولكنه يتسم بنغمة غريبةٍ جدًا، نغمة تجعل عازفي الأوركسترا يتوقفون رغما عنهم عن عزف مقطوعاتهم الشجية لبرهة من الزمن مع انقضاء كل ساعة زمنية لينصتوا بإمعان إلى ذلك الصوت الأمر الذي يدفع الراقصين كذلك إلى التوقف بسبب تلك الربكة القصيرة التي قاطعة نفوسهم المرحة في حين أن الساعة لا تزال مستمرة في مخاضها الموسيقي، في هذه اللحظة بالذات تنمو ملامح الشحوب على محيى أكثر المحتفلين استهتارًا، أما أولئك المسنين والرصينين فقد جعلوا أياديهم تحلّق فوق جباههم كما لو كانوا مستغرقين في تفكير حالم أو تأمل مشوش، ولكن ما أن تتوقف الأصداء بالكامل حتى تخترق ضحكة خفيفة جموع الحاضرين ويتبادل بعدها العازفون النظرات فيما بينهم ويرسمون الابتسامات على شفاههم كما لو كانوا يسخرون من حماقتهم ونوبة الارتباك التي ألمت بهم، وهنا يهمس الواحد منهم للآخر واعدًا إياه بأن الدقات القادمة يجب أن لا تحرك فيهم مثل هذه المشاعر ثانية، وهكذا يمر الوقت سريعا وتنقضي معه ستون دقيقة أي ما يعادل ثلاثة آلاف وستمائة ثانية من الوقت الذي مضى لتمطر الساعة المكان بدقاتها المدوية محدثة بذلك نفس الإرباك والرعشة والتأمل كالسابق.

ولكن بالرغم من هذه الأجواء المشحونة والمشدودة إلا أن الحفلة كانت تعج بألوان المرح الصاخب، فالمحتفلون يعلمون أن للدوق أذواقا غريبة وحسًا مرهفًا جدًا في انتقاء التأثيرات اللونية والصوتية، وهو من أولئك الذين لا يستسيغون الأعمال الزخرفية المجردة، فمخططاته تتسم بالجرأة ومفاهيمه في الحياة تتوهج بلمعةٍ بربرية، وقد حدا هذا الأمر بالبعض منهم إلى الاعتقاد بأن الجنون قد مس الأمير، إلا أن أتباعه المخلصين لا يرون فيه ذلك رغم ضرورة الاستماع إليه ورؤيته أو حتى لمسه للتأكد من أنه بكامل قواه العقلية.

واحتفاءً بهذه المناسبة العظيمة قام الدوق بنفسه بالإشراف على الجزء الأكبر من هذه الزخارف المتحركة في الغرف السبع، كما أنه هو شخصيًا وجّه جميع المحتفلين على تقمص شخصياتهم التنكرية حسب ذوقه الخاص، حيث شدد على أهمية ظهورهم بشكل مشوه، لقد كان المكان مشوبًا بالكثير من الوهج والتألق، بالإثارة والخيال، بمثل تلك المناظر التي شوهد معظمها في مسرحية "هيرناني"، هناك زخارف من الأرابسك لها تفرعات وعلامات غير متناسقة، كما أن هناك أزياء تنكرية غريبة جدًا كتلك الملابس التي يرتديها المجانين، لقد كانت الحفلة تعج بالكثير من المحتفلين الأنيقين، العديد من المستهترين، وغيرهم من غريبي الأطوار وبضعة من الفظيعين وليس بقليل من ذلك أولئك الذين قد تكون صورهم مدعاة للتقزز. في الواقع، كانت هناك أشكالا متعددة من الأحلام تطوف بداخل الغرف السبع جيئةً وذهابا، لقد كان الحالمون يتلوون داخل هذه الغرف وخارجها، يسلبون منها ألوانها المتداخلة حتى أن موسيقى الأوركسترا الصاخبة كانت لتبدو كصدى وقع أقدامهم. وعما قريب تزفر الساعة المنتصبة في غرفة الأقمشة المخملية بدقاتها المعتادة، عندها، وللحظة قصيرة، يسكن الجميع، ويخيم صمت عميق على الجميع ما عدا صوت الساعة، وينتصب الحالمون كجثث هامدة، ولكن لا تلبث أصداء الرنين طويلا حتى تذبل...إنه شيء لا يطاق... وما أن تخمد هذه الأصداء حتى يتبع رحيلها ضحكة يمتزج فيها اللطف والقهر، في هذه الأثناء تصدح الموسيقى بصداها عاليا وتنتعش أرواح الحالمين وهم يجوبون الغرف جيئة وذهابا بمرح أكثر من ذي قبل لتتلون أجسادهم بألوان النوافذ ووهج المشاعل، في هذه الأثناء تخلو الغرفة في أقصى الجهة الغربية من مرتاديها الذين خاطروا بأرواحهم لدخولها، لقد بدأ الليل بإسدال ستاره المعتم على الغرفة، كما أن هناك ضوءً متورداً ينبثق من خلال الزجاج الملطخ بلون الدم، والأقمشة المخملية تبدو مرعبة جدا وسط هذه العتمة، كما أن أولئك الذين وضعوا أقدامهم على السجادة الداكنة أحسوا بتلك الجلجلة المكتومة التي تحدثها ساعة الأبنوس والتي حملت في طياتها رهبة مثيرة أكثر من أي شيء التقطته مسامعهم أثناء انغماسهم في ملذات الغرف البعيدة ومباهجها.

بيد أن الحال في الغرف الأخرى كان مغايرا تماما، فجميعها يعج بالمحتفلين ودبيب الحياة ينتشر في جميع أوصالها، ولا يزال الفرح يغمر المكان، حتى إذا ما مضى وقت طويل تبدأ بعده الساعة بترديد أصداء منتصف الليل، عندها تحبس الموسيقى أنفاسها حسبما ذكرت آنفا، ويهدأ نشاط الراقصين ويخيم على المكان سكون مضطرب في كل شيء كالسابق، ولكن في هذه المرة سيصدر جرس الساعة اثني عشرة دقة، وهكذا بدأ العد لتتزاحم معه الكثير من الأفكار ويمتد معه الاستغراق في التأمل وسط أولئك المعربدين، وهكذا قبل أن تغرق آخر أصداء الدقة الأخيرة في صمت عميق كان هناك العديد من المحتشدين الذين ما أن أحسوا بالراحة حتى انتبهوا لوجود شخص مقنع لم يلفت انتباه أي منهم من ذي قبل، وبدأت إشاعة ظهور هذا الزائر الجديد بالانتشار في جميع الأروقة، ولم يحدث أزيز المحتفلين وهمهمتهم بهذه الإشاعة تقززا فقط بل ورعبا مخيفا أيضا.

في خضم هذه المفارقة المجتمعة للأوهام التي قمت برسمها يمكن القول بأن ما من مظهر عادي قد يثير مثل هذه الأحاسيس، بل إن الحقيقة عارية أمام لا محدودية حرية التنكر في هذه الليلة، بَيْدَ أن الشخص المشبوه قد فاق هيروديد هيرود وتعدى كثيرا حدود الحشمة التنكرية لشخص الأمير نفسه، لقد انتابت قلوب أكثر الحاضرين تهورا عاطفة جياشة لا يمكن مجابهتها ببرودة أعصاب، حتى أن أولئك البائسين تماما ممن يعتبرون الحياة والموت دعابتان متشابهتان يؤمنون بوجود أمور يستحيل المزاح فيها. وبالفعل طاف على الجميع شعور عميق بأن ملابس الغريب ومغزاه من هذا التنكر لا ينمان عن خفة دم ولا أدب ظاهر، فهذا الشكل البشري الطويل والهزيل مكفن من رأسه إلى أخمص قدميه بأكفان المقابر، أما القناع الذي يواري خلفه صفحة وجهه فقد صُنع بطريقة تشبه ملامح جثة متيبسة يصعب على أدق الفحوص اكتشاف الخدعة التي عملت بها، ومع ذلك كان بإمكان المعربدين الغاضبين في الجوار تحمل هذا النوع من الدعابات وإن لم يستسيغوها لولا تمادي هذا المهرج المتنكر في طريقة تنكره إلى درجة أنهم شبهوه بأحد أنواع الموت الأحمر، فقد كان رداءه يعتصر دما، أما حاجبه الواسع وجميع ملامح وجهه كانت تمطر رعباً قرمزيا.

لقد لاحظ الجميع ما آل إليه حال الأمير بروسبيرو من اضطراب عندما ألقى بناظريه على هذه الصورة الطيفية وهي تتحرك ببطء وهيبة وتخطوا بشموخ جيئة وذهابا بين الراقصين وكأنها تؤدي دورها ببراعة تامة، ففي اللحظة الأولى انتابته قشعريرة قوية ساقتها الرهبة والتقزز، أما في اللحظة التالية فقد استشاط غضبا وزمجر بصوته الأجش :" من ذا الذي يجرا؟ "، موجها سؤاله إلى خدمه الواقفين بقربه: " من ذا الذي يجرأ على إهانتنا بهذه المهزلة الكافرة؟ امسكوا به، واخلعوا عنه قناعه لنتعرف على هذا الذي سنعلقه من على شرفات الكنيسة عند شروق الشمس".

لقد كان الأمير بروسبيرو في الغرفة الزرقاء عندما أطلق تلك الصيحات التي دوى صداها بشدة ووضوح جميع أرجاء الغرف السبع، ولا عجب في ذلك فالجميع يشهد بشجاعة الأمير وغلظته، إذ بمجرد أن لوح بيده في الهواء حتى حبست الموسيقى أنفاسها.

وقف الأمير في الغرفة الزرقاء وإلى جانبه مجموعة من أفراد حاشيته وقد كسا الشحوب وجوههم، في البداية وأثناء ما كان الأمير يتكلم هرعت جماعته بحركة خفيفة تجاه الشخص الدخيل الذي كان في هذه اللحظة أيضا قريبا من قبضتهم وهو يهم بخطى حثيثة وثابتة ليدنو من الأمير، ولكن كان لتلك الهيبة الغامضة التي فرضتها تلك الإشاعة بتخيلاتها المجنونة على الجميع لم تتح لأي منهم المجال لأن يحرك ساكنا للقبض عليه، وهكذا وبدون أية إعاقة عبر المتنكر فناء شخص الأمير ذاته، وبينما كانت الجموع الغفيرة تندفع كموجة ممتدة من أواسط الغرف إلى جدرانها كان الدخيل يشق طريقه دون عناء وبنفس الخطى المهيبة والمدروسة التي ميزته منذ البداية مارًا عبر الغرفة الزرقاء إلى الأرجوانية ومن الأرجوانية إلى الخضراء ومن الخضراء إلى البرتقالية وعبر هذه الغرفة إلى البيضاء وحتى من هناك إلى البنفسجية قبل أن تكون هناك حركة حازمة لاعتقاله، عندئذ جن جنون الأمير بروسبيرو وهو يرى عار الجبن وقد لحق به في تلك اللحظة لينطلق مسرعا كسهم أفلت من قوسه عبر الغرف الست، ولكن تلك الرهبة القاتلة التي ألمت بالجميع لم تسعف أحدا منهم على اللحاق بصاحبهم، حينها استل الأمير خنجره المغمود عاليا ودنى سريعا بمقدار ثلاثة أقدام أو أربعة من الشخص الدخيل، ولكن عندما وصل هذا الأخير إلى آخر أتون الغرفة المخملية استدار فجأة ليواجه الشخص الذي يطارده... هناك..انطلقت صرخة شديدة سقط إثرها الخنجر اللامع على السجادة الداكنة التي ما لبثت هي الأخرى حتى خر عليها الأمير بروسبيرو ميتا، واستجمع المحتفلون قواهم البائسة وألقوا بأجسادهم دفعة واحدة داخل الغرفة السوداء وهموا بإحكام قبضتهم على المتنكر الذي مازال هيكله الفارع والنحيل منتصبا بلا حراك تحت ظل ساعة الأبنوس، إلا أنهم صعقوا جميعا عندما رؤى الأكفان والجثة- حالها حال القناع الذي تنازعون بينهم بعنف- ليتبينوا في نهاية المطاف أن ما من جسد ملموس بداخلها!

وتيقن الجميع الآن من وجود الموت الأحمر بينهم، فقد تسلل إليهم كلص في غيهب الليل، واخذ يلقي بالمعربدين الواحد تلوى الآخر في القاعات المضرجة بالدماء وكل منهم يسقط أرضا يموت على تلك الحالة المزرية لسقوطه أرضا. ومع آخر ألوان المرح تلفظ الساعة أنفاسها الأخيرة وتخمد ألسنة المشاعل ويسدل الظلام عتمته الموحشة ويعم الخراب والدمار في كل مكان ويبسط الموت الأحمر هيمنة مطلقة على كل شيء.




طرحك رائع
اكيد لي عودة
جديدة
تحياتي لك




 لطفي ق  

  • التسجيل

    4 - 2 - 2014

  • العضوية

    84484

  • المشاركات

    2

  • المعدل

    0.00 يوميا

  • نقاط التقييم

    10

  • معدل التقيم

    0

رد: من روائع الأدب العالمي

2014-02-04, 01:08 AM

رائعة جدا ... سلمت يداكم


الكلمات الدلالية (Tags)
من, الميت, العالمي, روائع


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع